04أبريل/نيسان2007
 
صوت رؤساء التحرير:
الصحافة العربية: مزيد من الحرية ... والانتحاب

"من قتل الصحافة المكتوبة؟" هكذا عنونت الأسبوعية البريطانية "دي إكونميست" عددها الصادر في سبتمبر/أيلول 2006. بلاغ وفاة مثل هذا استرعى انتباه منتدى رؤساء التحرير العالمي، وهو منظمة رؤساء التحرير في الاتحاد العالمي للصحافة، التي سارعت إلى سبر أغوار ذهنية رؤساء التحرير والناشرين ومديري المطبوعات. أما النتيجة، فكانت تبشر بالخير، حيث أن 85 بالمائة من بين 435 شخصا1 ردووا على الاستبيان، ينظرون إلى مستقبل جرائدهم نظرة متفائلة. وبمناسبة نشر نتائج أول دراسة مقياسية لقاعات التحرير، التقت  شبكة الصحافة العربية السيد برتراند بيكري ، مدير منتدى رؤساء التحرير العالمي لمعرفة تشخيصه لحالة الصحافة العربية.

شبكة الصحافة العربية: ماذا كشف أول مقياس للعالم العربي؟
برتراند بيكري: أول ملاحظة هو أن ليس ثمة اختلاف في الممارسات بالمقارنة مع العالم العربي. يوجد بالفعل زمرة وجماعات تضم رؤساء التحرير، ولا توجد اختلافات كبيرة بين البلدان الغنية جدا والشعوب النامية في مجال الصحافة وتنظيم قاعات التحرير. فكل رؤساء التحرير يتصرفون بالطريقة ذاتها: 85 بالمائة منهم أبدووا تفاؤلهم إزاء مستقبل جرائدهم، وكلهم يدركون أنهم يمروون بمرحلة انتقالية سريعة جدا (تقريبا 10 سنوات) من الجريدة المطبوعة إلى الجريدة عبر شبكة الأنترنيت. بالفعل، أغلبية نسبية 40 بالمائة تقدر أنه في غضون 10 سنوات ستنشر أغلبية الأخبار عبر شبكة الأنترنيت، في حين أن 35 بالمائة ترى أن الناس ستستمر في قراءة الجرائد المطبوعة. لم نلاحظ اختلافا بين الهند وبلدان الخليج وباريس. ليس ثمة تصور بأن الدول الغنية متقدمة جدا في حين أن الدول الفقيرة تتخلف عن الركب. وأخيرا، هناك انطباع بأن التوجه في مجال الجرائد يصب نحو المزيد من الصفحات المخصصة للتحليل والآراء.

شبكة الصحافة العربية: إذن ليس ثمة خاصية يستفرد بها رؤساء التحرير العرب؟

برتراند بيكري: في الواقع، المسألة التي تميز البلدان العربية عن غيرها هي السؤال التالي: في المستقبل، ماهو على وجه التقدير أكبر تهديد لاستقلالية الصحافة؟ "الضغوط الساسية"، جواب لم يتقدم به أي رئيس تحرير في أمريكا الشمالية، أو أوروبا الغربية، أو حتى في أمريكا الجنوبية. في حين أن في بعض البلدان الأسيوية والإفرقية والعربية، كان هذا أول رد على سؤالنا. 40 بالمائة يعتبرون الحكومات أكبر مصدر للتهديد، وفي العالم العربي لا يدور الحديث عن المساهمين أو أصحاب الإعلانات بل عن السلطة السياسية، وهنا يقع الانقسام.
weblog_r3_c1.jpg
شبكة الصحافة العربية: قبل سنتين، وفي إحدى الإفتتاحيات بعنوان" أوجه الخلل في الصحافة العربية"، أبديتم استياءكم إزاء عدم إعتبار رؤساء التحرير أنفسهم كسلطة رابعة، كما أسفتم لقلة المؤسسات التمثيلية لوسائل الإعلام. (راجع المقال الصادر عن شبكة الصحافة العربية في 7 من يناير / كانون الثاني2005). هل مازلتم ترون الأمور من هذه الزاوية اليوم؟
برتراند بيكري: هناك بعض التدرج في هذه الصورة. البشرى هي أن مصر ستضطلع بدور المحرك في صحوة الصحافة العربية. من المنظور التاريخي، كان لكل من لبنان ومصر وزن كبير، ثم مرت بعدها الصحافة المصرية بأيام عصيبة على الرغم من وجود عدد كبير من الصحافيين المصريين المحنكين. أما اليوم فنلاحظ صحوة نسبية للصحافة المصرية على الرغم من الاضطهاد. إنها طنجرة ضغط تغلي، ويتبادر إلى ذهني على وجه الخصوص جريدة "المصري اليوم" التي كان يشرف عليها هشام قاسم والذي يستعد إلى إصدار جريدة أخرى، و جريدة
"الدستور". إننا نلاحظ ولادة صحافة مستقلة في بلد يكتظ بالسكان، وهذا شيئ مستحيل قبل خمس أو ست سنوات. السلطة مضطرة للتنازل وتهدؤ من روعها باعتبار التلفزيون المصدر الأساسي للأخبار وأن 100000 نسخة تباع من جريدة لن تغير من الأمر شيئا. وهذا تحليل خاطئ، إذ أن دور المعلومات المكتوبة يكتسي أهمية بالغة في هذه الدول. أعول إذن وإلى حد بعيد على مصر ولبنان حيث صدرت مؤخرا جريدة جديدة في أغسطس 2006 بإسم "الأخبار".إن إصدار جرائد معارضة اليوم شيء مشجع، و"الأخبار" من الجرائد التي تعارض الموقف الأمريكي بدون أن تلتف حول حزب الله. هناك حركة تجديد في هذه البلدان ذات باع طويل في الصحافة المكتوبة. كما أننا نلاحظ تقدما في مجال التجمعات المهنية، إذ تم إنشاء جمعية تمثل الجرائد الخليجية على الرغم من أن مفهوم الجمعية في التصنيف القانوني غير موجود في دبي. وهذه محاولة للاضطلاع بدور السلطة الرابعة من خلال التجمع عوض الانعزال في العلاقة بين الجريدة والمساهم فيها، وهو عادة أمير أومن زمرة أصحاب السلطة السياسية. التجمع من أجل تشكيل ثقل مضاد في وجه السلطة السياسية.

شبكة الصحافة العربية: ماهو الوضع في المغرب العربي؟
برتراند بيكري: النموذج بالنسبة لي هو المغرب. أينما نظمت ندوة في مصر أوبلد آخر أدعو المغاربة لكي أستدل بهم قائلا: "أنظروا إلى المغرب الذي كان مكموم الفاه، حيث كانت توجد صحافة رديئة المستوى: صحافة القصر وإعلام المعارضة الذي كان يقضي سحابة نهاره في انتقاد أدنى القرارات". قبل 15 سنة، كان المغرب في الحضيض الأسفل، كما هو حال تونس اليوم.
يوجد المغرب اليوم في مرحلة لا تعني فيها مطالعة جريدة ما موقفا سياسيا، على الرغم من أن الاضطهاد لم يختف تماما كما أثبتث بعض الأحداث الأخيرة (راجع مقال شبكة الصحافة العربية الصادر في 4 يناير/كانون الثاني 2007)، لكن لا يمكن أن ننكر أن مجالا من الحرية قد تم كسبه. إنني أنظر إلى المحاكمات الأخيرة كظاهرة ثانوية، حيث يبقى المغرب قدوة إذ انتقلنا في غضون 15 سنة من التسلط المطلق إلى تنوع نسبي، على الرغم من غياب صحيفة يومية من نوعية عالية.

شبكة الصحافة العربية: ماهي أوجه الخلل الأخرى في الصحافة العربية؟
برتراند بيكري: أرى نقطة سلبية سأشير إليها مع كل تحفظ لأنني لا أنطق باللغة العربية وبالتالي يتعسر علي قراءة الصحف العربية: يبدو لي أنه مع الحربين الأخيرتين في لبنان والعراق، انزوى الصحافيون العرب في الانتحاب والعويل. كبش الفداء جلي ألا وهو الولايات المتحدة الأمريكية والضحايا المساكين هم الفلسطينيون الذي يقضون تحت وابل من القنابل والصواريخ، وهم قوى الخير أما قوى الشر فهي الولايات المتحدة وإسرائيل. مازلنا محبوسين في صحافة الخير والشر، وهذه المانوية، النتاج السلبي للنزاعين الكبيرين في المنطقة، تمنع التفكير المنطقي في غير هذين النزاعين. وهذا تراجع في نظري إذ أن هذه المانوية تقتل الصحافة. لكن على الرغم من هذا، هناك جيل جديد يرغب في الاستطلاع والاستقصاء ويمارس الضغط ولا يعاني من الانحصار ذاته على عكس الجيل السابق. وهذا النسيم واضح من خلال المدونات الشخصية في الأنترنيت يكتبها صحافييون أو مهنيوون في مجال الاتصال أحيانا بأسماء مستعارة. إذن هناك على الرغم من كل ماسبق، كلمة تتحرر.

شبكة الصحافة العربية: هل يمثل تكاثر قنوات الأخبار التلفزيونية تهديدا للصحافة المكتوبة؟

برتراند بيكري: لا أعتقد ذلك. تبقى الصحافة المكتوبة حكرا على النخبة والطبقات الوسطى. إن التطور السريع لقناتي الجزيرة والعربية يجعلنا نستبق المراحل. لقد اضطلعت الصحافة المكتوبة بدور بالغ الأهمية في إحلال الديمقراطية في العالم الغربي. لكن النموذج العربي كما يتبلور أمامنا اليوم لن يمر من درب الصحافة المكتوبة لإرساء الحوار الديمقراطي. هناك نوع من اختصار طريق الصحافة المكتوبة، وهذه طريقة مختلفة في ممارسة الديمقراطية ستؤدي إلى نشأة ديمقراطيات أكثر حساسية اتجاه تقلبات الآراء والعواطف عوض الآراء المبنية عن دراية التي تتولد من قراءة منتظمة للصحف. وهذا الاختصار في الدرب سمة يتفرد بها العالم العربي على عكس الهند أو الصين أو أمريكا اللاتينية.

للمزيد من المعلومات، الرجاء الاتصال بالسيد برتراند بيكري، مدير منتدى رؤساء التحرير العالمي على العنوان التالي:  bpecquerie@wan.asso.fr

(1)  لم يعرض الاستبيان باللغة العربية، ولا تمثل الأجوبة من المنطقة العربية إلا 10 بالمائة من مجموع 435 جوابا توصلنا به. خلال المرحلة الثانية من هذا المقياس، سيعرض الاستبيان باللغة العربية.