27مارس/آذار2007
 
صوت رؤساء التحرير:
كان الاستسلام يعني التحول إلى كلاب وديعة، ولم يكن هذا مقبولاً على الإطلاق. لذا فقد أوقفنا كل شيء

ولِـدَت باسم جاكولين ديفيد في عام 1937 في بيرناي بفرنسا، في قلب نورماندي. ثم تحولت إلى زكية داوود في عام 1963، وأصبحت واحدة من أكثر الشخصيات رمزية في الصحافة المغربية. الحقيقة أن السمعة التي تتمتع بها هذه السيدة ذاتية التثقيف، والتي تركت المدرسة حين كانت في السادسة عشرة من عمرها، ترجع إلى "لام ألف"، وهي مطبوعة جريئة ناطقة باللغة الفرنسية أسستها في عام 1966 بالاشتراك مع زوجها محمد لوغلام. وطيلة فترة صدورها التي دامت 22 عاماً، لم تتوقف هذه المطبوعة التي ساهم فيها مفكرون بارزون مثل المؤرخ المغربي عبد الله لعروي، عن اكتساب المزيد من جماهير القراء. ومن المفارقات العجيبة هنا أن نجاح هذه المطبوعة، الذي كان يشكل تهديداً في نظر الدوائر العليا، كان هو ذات السبب الذي أدى إلى توقفها عن الصدور. وبعد ما يقرب من العشرين عاماً منذ صدور آخر عدد من المطبوعة، تنشر زكية داوود ودار نشر طارق كتاباً حيث تروي زكية "سنوات لام ألف". ولقد التقت بها شبكة الصحافة العربية بهذه المناسبة.

شبكة الصحافة العربية: لماذا تستخدمين اسماً مستعاراً، وما أصل هذا الاسم؟
زكية داوود: هذا الاسم هو في الواقع الترجمة الحرفية لاسمي الحقيقي جاكلين ديفيد. كنت قد وصلت إلى المغرب في عام 1958، وبعد ذلك بعام واحد حصلت على الجنسية المغربية. وبالتدريج تحولت جاكلين إلى زكية. والحقيقة أنني اخترت هذا الاسم المستعار بناءً على طلب مدير "جون أفريق" حين كنت أعمل كمراسلة لها في الفترة من 1963 إلى 1966. وكان قد أمهلني خمس دقائق فقط كي اختار الاسم.

شبكة الصحافة العربية: كيف تصفين "لام ألف" لهؤلاء الذين لم يطلعوا عليها قط؟
زكية داوود: إنها مجلة شهرية كانت تنشر في المغرب في الفترة من 1966 إلى 1988. وكانت تتبنى موقفاً سياسياً غير معلن، وتهتم بقضايا اجتماعية، وثقافية واقتصادية، إلا أنها اهتمامها الجوهري كان ينصب على القضايا السياسية. ولقد ظهرت المجلة في فترة توافقت مع نهاية الصراع على السلطة بين ما نستطيع أن نطلق عليه المعارضة على نطاق صغير، والتي تجسدت في الاتحاد الاجتماعي للقوى الشعبية، وبين النظام الملكي. وحين تمكن النظام الملكي من التغلب على معارضيه، الذين لم يختفوا من الوجود كلياً، برز صراع مثير للاهتمام بين الميدانين السياسي والاجتماعي. وكان الحوار الإيديولوجي مستمراً. وفي هذا الوقت الذي شهد النهاية المنتصرة لدعم العالم الثالث، كانت المغرب عبارة عن مسرح لنشاط ثقافي على قدر عظيم من الأهمية. وفي تلك الفترة ظهر أغلب الفنانين المغاربة الكبار، سواء الشعراء أو الرسامين أو الكتاب.

شبكة الصحافة العربية: كيف توصلت إلى فكرة هذا الاسم للمجلة؟
زكية داوود:
الاسم "لام ألف" مكون من حرفين عربيين يشكلان كلمة "لا". وكان زوجي صاحب الفكرة. وهي عبارة عن وسيلة مستترة نعلن بها أننا ننتمي إلى المعارضة، وأن كل شيء لابد وأن يكون محل تساؤل.

شبكة الصحافة العربية: كم عدد النسخ التي كنتم توزعونها؟ وكم كان سعر العدد؟
زكية داوود: بدأنا بثلاثين ألف نسخة، وقرب النهاية كنا قد وصلنا إلى 12 ألف نسخة، علماً بأن كل نسخة كان يقرأها عشرة أفراد على الأقل. في البداية كانت تكلفة مجلة "لام ألف" درهمين، وحين زاد عدد صفحات المجلة من 46 صفحة إلى 90 صفحة، حددنا سعر المجلة بسبعة دراهم. وكان عدد كبير من قرائنا من الشباب يعيشون على دخول بسيطة ويتبادلون النسخ فيما بينهم، ولهذا السبب لم نفكر قط في رفع سعر المجلة.

شبكة الصحافة العربية: هل كنتم تجدون المعلنين بسهولة؟
زكية داوود: كنا نجمع الإعلانات من القطاعين العام والخاص على السواء. ولنقل إننا لم نكن جشعين أيضاً، ولم تكن تكاليف الإعلان لدينا باهظة. لقد كان زمناً مختلفاً بالنسبة للصحافة.

شبكة الصحافة العربية: لماذا إذاً انتهت مغامرة "لام ألف"؟ من الواضح أن الأسباب لم تكن اقتصادي
ة.
زكية داوود: كلا بكل تأكيد. لقد هددني إدريس البصري (وزير الداخلية الأسبق) الذي رأى أننا كنا نبيع عدداً أكبر مما ينبغي من النسخ. ولقد اتهمني بإهانة الملك، وهي تهمة باطلة، فقد كان يبحث عن أي عذر فحسب. والحقيقة أننا توقفنا لأننا كنا قد أصبحنا أهم مما ينبغي في نظرهم. ولقد استغرقت وقتاً طويلاً للغاية لتقبل نهاية مجلة "لام ألف" وتفهم ما حدث. والتفسير السياسي للأمر هو أننا لم يعد بوسعنا أن نستمر في الوجود فقد تمكنت وزارة الداخلية من اختطاف عدد كبير من المساهمين في مجلتنا، ولم تكن ترغب في أن ترى هؤلاء الناس ينتمون على نحو ما إلى العالمين. لقد كان عليها أن تحاصر المفكرين بعد أن اعترى القلق الأحزاب السياسية والصحف التابعة لها. فضلاً عن ذلك فقد بدأ اختطاف المفكرين على ذلك النحو في بداية الثمانينيات معلناً ضياع الحرية والفكر منذ ذلك الوقت.
إلا أنهم في ذات الوقت لم تكن لديهم الرغبة في حظرنا من النشر، بل كانوا يريدون فقط انتزاع كل المزايا من بين أيدينا، وكانت حريتنا واحدة من أهم تلك المزايا. كانوا يريدون ببساطة تعديل وضعنا المستقل داخل مساحة خاضعة لسيطرتهم تماماً. وكنا ندرك القضايا التي لا نستطيع أن نتعرض لها بالمناقشة، وكنا نعرف أين حدودنا، على النقيض من الصحافيين الشباب اليوم الذين لا يعون الخطوط الحمراء، والذين تدفعهم السلطات إلى تجاوز تلك الخطوط ثم تنقلب عليهم فجأة ودون سابق إنذار.
لذا فقد كنا نعرف المساحة المحدودة التي نتحرك في إطارها، فتمكنا من توسيع هذه المساحة ونشرها إلى ما يزيد على 12 ألف شخص. قال لي وزير الداخلية "هذا أكثر مما ينبغي". كان يريد تخفيض ما نوزعه من نسخ إلى ألف نسخة فقط نوزعها في الجامعات. وكان يتصور أنه بذلك أننا سوف نستسلم كما استسلم آخرون. إلا أن الاستسلام كان يعني التحول إلى كلاب وديعة، ولم يكن هذا مقبولاً على الإطلاق. لذا فقد أوقفنا كل شيء.

شبكة الصحافة العربية: ألم تفكري قط في استئناف نشر المجلة؟
زكية داوود: أجل، في البداية، إلا أنني اليوم تقدمت في السن كثيراً ولم أعد أمتلك مثل هذا النوع من القوة والجلد.

شبكة الصحافة العربية: لو كانت "لام ألف" ما تزال تنشر حتى الآن، فكيف كان قد يبدو غلافها؟

زكية داوود: كانت أغلفتنا كثيراً ما تشتمل على رسوم موقعة من قِـبَل فنانين مثل جين جورملين (إحدى رسامات الصحافة الفرنسية). ولقد كانت هذه الأغلفة هي التي أدت إلى منع بعض أعداد مجلتنا من الصدور. وأشير هنا إلى منع صدور عدد بالكامل كان قد صدر بعد أحداث الشغب التي شهدتها الدار البيضاء في العام 1981. ولم تكن المقالة هي السبب المباشر، بل كان الرسم الذي حمله الغلاف. كان الرسم عبارة عن قبور ترفعها جذور الأشجار. لقد تحملنا الكثير من العناء بسبب رسوماتنا. وأذكر الآن ذلك الرسم الذي كان يصور شخصاً يصعد درجاً يؤدي إلى لا شيء.

شبكة الصحافة العربية: لماذا اخترت العودة إلى سنوات "لام ألف" بتأليف كتابcop_2.jpg؟
زكية داوود: لم أكن أرغب في تأليف ذلك الكتاب. لقد أجلته قدر استطاعتي، لكن الجميع أصروا على ضرورة إكماله، وأنه يشكل واجب الذكرى. فقلت لنفسي "ولم لا؟". ثم حاولت أن أجعل منه عملاً جماعياً، لأنني بمفردي لم أكن أملك الحيادية الواجبة. والذي حدث أن المؤلفين المشاركين، والمساهمين السابقين، تخلوا عن الفكرة بعد أن بدأت في تنفيذها بالفعل. إما عن نفسي، فأنا حين أبدأ شيئاً لا أتوقف حتى أتمه.

شبكة الصحافة العربية: ما هي مآخذك على الموقف الحالي للصحافة المغربية؟
زكية داوود: أشعر بالحرج لاضطراري إلى الإجابة على سؤال كهذا، وذلك لأن الكتاب لا يتطرق إلى هذا الموضوع، بل إنه يتحدث عن الفترة من 1966 إلى 1988. فضلاً عن ذلك فإن الوضع الحالي للصحافة المغربية معقد للغاية. فالعديد من الصحف تواجه المتاعب. وليس لي رأي أشارككم إياه رداً على هذا السؤال في إطار مقابلة تجرى بمناسبة نشر هذا الكتاب... فالكتاب يتعامل مع عصر مختلف.

شبكة الصحافة العربية: بصرف النظر عن كونك مؤلفة هذا الكتاب بالطبع، فإنك في ذات الوقت زكية داوود، الصحافية التي لا يملك المرء إلى أن يطرح عليها هذا السؤال...
زكية داوود: إنني بالتحديد أرفض أن يجمع الناس بين الموقفين. فالمغرب اليوم، وكما ذكرت في كتابي، بلد مختلف. ولكن ما زالت هناك أمور باقية. فالأساسيات لم تتغير على الإطلاق، إلا أن وجهات نظر الناس، والأسلوب الذي يعبرون به عن أنفسهم، والأسلوب الذي يكتبون به، وقدرتهم على التحكم في أنفسهم، كل هذا قد تغير تماماً.

شبكة الصحافة العربية: هل أنت راضية عما تطورت إليه الأمور؟
زكية داوود: إن حرية الصحافة، وحرية التعبير، وكافة الحقوق المرتبطة بالحريات تعمل على هيئة موجات صاعدة وهابطة. ولقد نشأنا على فكرة أن التاريخ يتقدم على نحو مستمر، إلا أن الفترة التي نعيشها حالياً تثبت خطأ هذه الفكرة. فنحن نعيش في تاريخ يدور في دوائر على نحو مستمر. وتشن هذه الموجات هجوماً على الحصون والمحظورات. والمسألة هنا ما إذا كان ذلك قد يدوم أو يتمكن من الاستمرار. لا أستطيع أن أجزم.
إلا أن ما أذهلني في مناقشة شاركت فيها مؤخراً في الدار البيضاء، هو أننا استفدنا في ذلك الوقت، كما فسرت لنا القوى الفاعلة في الصحافة المغربية حالياً، من دعم القوى الجامعية، وهذه حقيقة، وأننا تطورنا مع تطور الجامعة التي كانت تقدمية في ذلك الوقت. واليوم أصبحت أغلب الكليات تحت سيطرة القوى الإسلامية، وأصبحنا نعيش في جو مختلف تماماً.
في نفس الوقت، وكما قرر أحد الصحافيين الشباب في إطار نفس المناقشة، فإن الصحافة قد تجاوزت الخطوط الحمراء التي كانت "لام ألف" تتعامل معها. وأعرب عن أمله في أن يتمكن أطفاله ذات يوم من نشر شيء كصحيفة "البطة المسلسلة" (Canard enchaîné) وتجاوز الخطوط الحمراء التي دامت ألفي عام. هذه هي الموجات التي كنت أتحدث عنها آنفاً. إلا أن حتى هذا لا يتم بصورة مباشرة. فمناقشات اليوم أقل ميلاً إلى المواجهة، أكثر ضعفاً، وأشد غموضاً مقارنة بالمناقشات التي شهدها عصر "لام ألف".

شبكة الصحافة العربية: كنت في الآونة الأخيرة توقعين كتباً أكثر مما توقعينه من المقالات. أهذا اختيارك؟
زكية داوود: كلا، ليس اختياري. فمن الأسهل بالنسبة لي أن أكتب المقالات، لكن أحداً لم يعد يطلب مني الكتابة. فقد ظللت لأعوام ألاحق المهام الحرة، والآن سئمت ذلك.

lamalif1-1_1.JPG


.