15يونيو/حزيران2007
 
حرية الصحافة:
سقطت المحرمات وبقيت المصاعب

لا شك أن وضعية الصحافة في موريتانيا قد تحسنت كثيرا خلال السنوات الأخيرة. لكن على الرغم من هذا التقدم المحرز، لايزال القطاع يواجه تحديات جمّة ومن بينها تكوين الصحافيين الذين يفتقر إليهم.

الإسلام والدعارة والعبودية...كلها كانت من بين المحرمات إبان حكم الرئيس ولد الطايع الذي كان يحكم موريتانيا بالحديد والنارخلال أكثر من عقدين. لكن الإنقلاب العسكري في ٣ أغسطس/آب ٢٠٠٥ نجح في تحييد هذا النظام وتنظيم أول إنتخابات حرة ومتعددة في تاريخ الجمهورية الإسلامية في شهر مارس/آدار المنصرم. والآن ثلاث أشهر بعد هذه الإنتخابات، ماهي وضعية الصحافة في هذا البلد حيث كان في الماضي القريب يسلم الصحافيون مقالاتهم إلى مديرية الحريات العامة ويقعدون منتظرين رخصةالنشر لبضعة أيام أحيانا إن كان المسؤول على سفر؟

"منذ الإنقلاب العسكري، نعيش جوا نسبيا من الحرية. لم تعد ثمة خطوط حمراء: لا رق ولا فساد ولا سجل أسود في مجال حقوق الإنسان  ولا تجارة مخدرات. نشرنا مؤخرا تحقيقات حول الشذوذ الجنسي والدعارة. والتطرق لهذه المواضيع ثورة في حد ذاته." على حد قول مامادو سي، مؤسس ومديرجريدة "ليفاي" (الصحوة)، أول جريدة مستقلة في موريتانيا. نشر أول عدد من هذه الجريدة سنة ١٩٩١، عندما كانت البلاد تعيش أوقاتا مأساوية."رُحل آلاف الزنوج الأفارقة  إلى السينغال في حين أن مئات الضباط الزنوج الأفارقة قتلوا على يد حكومة ولد الطايع، كما ذكرنا سي الذي قرر آنذاك أن يتخلى عن منصبه في "الوكالة الوطنية للإعلام لدى رئاسة الحكومة" لكي ينشأ أسبوعية تنكب على تقديم "أخبار نزيهة وحقيقية" وفتح مجال الحوار السياسي الذي هو أساس الديمقراطية.

واليوم لا يمكن للمرء أن ينكر التحول الإيجابي في مجال حرية التعبير. لكن الغريب في الأمر أن هذه الحرية ترافقها موجة من الملاحقات القضائية للصحافيين بتهمة القذف والتشهير. في ٢٥ مايو/آيار المنصرم، أدانت المنظمة الفرنسية مراسلون بلا حدود   حبس عبد الفتاح ولد عبيدنا، مدير يومية "الأقصى" الناطقة بالعربية بعد تلفيق تهمة "القذف" له من طرف رجل أعمال، محمد ولد بوعمتو. في عدد ١٦ مايو/آيار اتهمت هذه اليومية رجل الأعمال هذا بالضلوع في عملية تهريب مخذرات واسعة شارك فيها ابن أحد رؤساء موريتانيا سابقق وعدد من أبناء وجهاء. "هذه المقالة التي جمعت بين المعلومات المشروطة وتأكيدات بدون أدلة ذامغة، أكدت بأن محمد ولد بوعماتو كان قد أدين في هذه القضية. أطلق سراح عبيدنا بشكل مؤقت بعدها ببضعة أيام". حسب ما أفادته منظمة مراسلون بلا حدود.

إذ يقول مامادو سي بضرورة عدم تجريم الجنح الصحافية، فهو يفسر انتشار ظاهرة الملاحقات القضائية بكون أغلب الصحافيين لا يلمون بالأسس الدنيا لمهنة الصحافة. "فهم لا يعبؤون بالتأكد من صحة معلوماتهم ويجعلون من الإشاعات واجهة صحفهم" أعرب سي بكل أسف.

"والآن بعدما اختفت الخطوط الحمراء، يبقى التحدي كامنا في التدريب. ليس لدينا مدارس للصحافة في موريتانيا. وبدون تكوين لن تتحقق مهنية الصحافة ولا احترام أخلاقيات المهنة، ومن هنا تنبع التجاوزات التي نشهدها اليوم"، في رأي مدير جريدة "ليفاي".

والتكوين ليس الحجرة العثرة الوحيدة التي تعرقل طريق الصحافة الموريتانية. "إننا نعاني من ضيق نطاق السوق والموريتانيون لا يقرأون كثيرا. مجموعة قرائنا في طور التكوين، بسبب طغيان العادات الشفوية ووجود نسبة ٤٦ بالمائة فقط من المتعلمين" على حد تصريح سي الذي تترأس جريدته، التي تسحب ٢٠٠٠ نسخة، قائمة الجرائد الأكثر مبيعا في البلاد.

من أجل الإلمام بالمشاكل اليومية التي يعاني منها مالك صحافة محلية، علينا أن نتذكر أن نسخة واحدة يقرؤها معدل ٢٠ شخصا تقريبا. فضلا عن هذا، "البائعون الصغار" يأجرون جريدة "ليفاي" مقابل مبلغ ٢٠ أوقية في حين من المفترض أي يبيعوها مقابل ٢٠٠ أوقية (٢ يورو تقريبا). "كما نعاني من ضعف شبكة التوزيع التي لا تزال غير رسمية"، أردف مؤسس جريدة "ليفاي" الذي لا يزال مستعدا لإعادة الكرة على الرغم من كثرة العراقيل. ومشروعه القادم هو إنشاء جريدة ناطقة باللغة العربية.