10مايو/آيار 2007
 
حرية الصحافة:


الشاب المصري عبد الكريم نبيل المدون على الأنترنيت  والبالغ من العمر 22 سنة الذي صدر في حقه حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات لشتمه الإسلام وسنة إضافية لقذعه الرئيس حسني مبارك، لم يكن قد ولد بعد عندما وصل الرئيس إلى سدة الحكم.

إنه لأمر شجي ومجدي بغرابة أن يضطر نظام مبارك، الذي حكم مصر لمدة 25 سنة، أن يحكم على شاب "مسلح" بلوحة مفاتيح حاسوب وتوصيلة بشبكة الأنترنيت. وعلى الرغم من الفزع الذي قد يثيره هذا الحكم في الأنفس، لكنه في آن الوقت انتصار للواء الشباب ذوي العزيمة ورباط الجأش اللذين يحتشدون في حيز المدونات الشخصية على الأنترنيت والذين لم يعرفوا رئيسا آخر غير حسني مبارك على غرار نبيل.

لأشهر خلت ضايق المدونون على الأنترنيت نظام مبارك بجرأة من يعرف أن ينعان سنهم هو من مكامن قوتهم إضافة إلى قدرتهم على إخجال نظام له مساوئ كثيرة يحاول جاهد إخفاءها. بعض هؤلاء المدوننين يمزجون بين نشاط المعارضة على شبكة الأنترنيت والمعارضة التقليدية كالمشاركة في المظاهرات التقليدية التي تجوب الشوارع والتي أدت بعدد كبير منهم إلى القبوع في السجون لأسابيع عديدة بتهمة مضحكة بالية ألا وهي سبّ الرئيس. لكن رد الفعل هذا زاد من مصداقية هؤلاء الشباب الذين أشهروا معارضتهم للرئيس المسن وجعلوا لألقابهم شهرة في مصر.

كم يرغب الرئيس مبارك في إغلاق كل هذه المدونات الشخصية على الأنترنيت والزج بأصحابها في السجون، لكن النظام يدرك قدرة هؤلاء على تعبئة الإفتتاحيات والسخط الشعبي. ففي 3 مارس / آذار مثلا، عندما قُدم ضابطان من الشرطة أمام المحكمة بعدما أوسعا ضربا سائق حافلة وانتهكا عرضعه في أحد أقسام الشرطة، وتم تأجيل محاكمتهما إلى 6 مايو / آيار. تم القبض على هذين الشرطين بعدما قامت الدنيا ولم تقعد على إثر عرض شريط فيديو لعملية التعذيب هذه على المدونات ومواقع الأنترنيت، وبالتالي فرضت نفسها على الإفتتاحيات واضطر النظام إلى التحرك. لكن لا أحد يعلم إن كان الشرطيان سيدانان أم لا.

لكن لماذا صب نظام الرئيس مبارك جام غضبه على نيبل دون غيره؟

لطالما انتقد نبيل النظام والإسلام والأزهر، معقل الفكر الإسلامي السني. ولم يتفوه نبيل بأي شيء يبرر إجراء هذه المحاكمة أو الإدانة أو الحكم. لكن النظام يعي تماما أن الحكم على هذا الشاب بتهمة التشهير بالإسلام سيكسبه نقاطا بخسة لدى الرأي العام.

إن محنة هذا الشاب تحمل في ثناياها روشم نظام قضى ربع قرن يحاول جاهدا إطفاء شعلة الهمة والنشاط في بلاد لطالما زخرت بهما. ولم يتورع النظام في تسليط هذا السيف على رقاب كل من تخول له نفسه أن يتحدى الرئيس مبارك فحسب بل دخل في مزايدة مع الإخوان المسلمين على من هو أتقى وجعل من مجال الدين أداة لعرض العضلات.

لا يمكن للمرء أن ينسى أن في مثل هذا الوقت خلال السنة الماضية تصدر النظام حملة السخط التي أثارثها الرسوم المنشورة عن الرسول محمد في الجريدة الدنماركية "جيلانسبوستن" . واليوم كالأمس لجأ النظام إلى رفع راية الغضب الإسلامي لتلميع صورته بكسل باستعمال الدين الإسلامي بينما اشتدت شوكة الإخوان المسلمين أكثر من أي وقت مضى.

 والسخرية الكبرى هي أن حركة الإخوان المسلمين هي أقوى تجمع معارض داخل البرلمان لأن ذلك يصب في اتجاه رغبات حسني مبارك. وعلى الرغم من أن حركة الإخوان محضورة، سمح لها أن تخوض غمار الإنتخابات التشريعية في نهاية عام 2005. وانقلبت الأمور بعنف لما فاز الإخوان بعدد كبير من المقاعد مما قظ مضجع النظام المصري. وهذه المقاعد 88 التي فاز بها الإخوان المسلمون هي البعبع الذي استعمله النظام في وجه الإدارة الأمريكية اتي أذعنت خوفا من هذا الغول.

ولم يمض وقت طويل حتى رجعت المياه إلى مجاريها وعاد النظام إلى اضطهاد أعضاء الحركة والزج بهم في السجون لكي يعلن صراحة أنه لا يأخذ على محمل الجد دور الإخوان المسلمين في المجتمع المصري.

وهذا الاستعمال المتبجح والمسرف للمؤهلات الدينية التي قضى النظام 25 سنة في حذقها وضع المجتمع المصري بين شقي الرحى، شق حسني مبارك وشق الإخوان المسلمين، وأسس لما قد نسميه الهرع الديني. ومن خلال طلعات تلفزيونية شبه يومية لهذا العلامة الإسلامي وأو ذاك، أصبح الإسلام المحافظ والمعتمد لدى الدولة المذبح الذي أجبر مبارك المصريين أن يتعبدوا فيه. وفي هذا السياق، ليس مفاجأ أن يقوم أهل نبيل بالتبرئ منه على إثر إدعاءات الدولة بأنه شتم الدين الإسلامي.

أغلب المصريين لم يدل بصوته خلال الإنتخابات التشريعية التي سُمح فيها للإخوان المسلمين بالمشاركة. وهذا رفض جلي للخيار الزائف الذي مُنح للمصريين: خيار بين طاغية يستعمل الدين لتوطيد أركان حكمه وحركة إسلامية توظف الدين لشق طريقها إلى الحكم.  لكن الضرر قد وقع منذ زمن طويل، فمجرد الإشارة إلى أن المرء قد تجرأ على التشكيك في مفهوم الإسلام لدى الدولة وعلماء السلطان قد يؤدي إلى المصير ذاته الذي كتب لنبيل.

 
لكن لما يكون التنكر الديني الذي يستتر النظام من ورائه واضحا للعيان، من المنطقي إذن أن نتوقع منه أن يحترم هذه المعايير التي يتشدق بها. وإن كان هذا النظام مدافعا غيورا عن الإسلام (والإسلام الذي تطور وانتشر لمدة 1400 سنة لا يحتاج بالتأكيد لهكذا دفاع)، فلننظر إذن إلى الطرق التي يلجأ إليها النظام لإحترام الدين والامتثال لتعاليمه.

أليس من الذمة للإسلام والعدالة الإجتماعية أن يفسد التعذيب المنتظم أقسام الشرطة والسجون عبر أصقاع مصر؟  أجل إن هذا عار وخزي للإسلام الذي يتشذق به مبارك وأسرته وزبانيته من زمرة المقربين الذين يستفيدون من الخيرات الضئيلة التي ينتجها النمو الإقتصادي المصري الذي يتباهون به، في حين لا يستطيع عدد كبير من المصريين شراء قطعة لحم بل ويضطرون إلى الشعبذة بوظيفتين أو ثلاث من أجل تأمين أبسط حاجيات الحياة اليومية.

أي إسلام يدعي مبارك اللوذ عنه حين يساق سائق حافلة إلى قسم الشرطة وينتهك عرضه بواسطة عصا وضباط الشرطة يصورون المشهد بكاميرات هواتفهم الخلوية ويبعثون بها بعد ذلك إلى زملائه في العمل لتخليد الإهانة والترهيب إلى أبد الآبدين؟

هاهم المدونون يجتاحون الساحة ويبعثون بالرسائل ميمنة وميسرة ويعلنون أن سوأة الإمبراطور عارية مكشوفة. كما استطاعوا التغلب على هذا الإمبراطور الحاسر وزبانيته من خلال التلاعب بتكنولوجيا مكنتهم من تحقيق توازن القوى بشكل يومي في حقل الإعلام والأخبار.

قد يكون الحكم الذي صدر ضد نبيل إنذارا يصدره نظام منهك لتخويف المدونين على الأنترنيت بعقوبة السجن، لكن من غير المحتمل أن يخاف هؤلاء. علاء عبد الفتاح، الذي يدير منى وعلاء بيت باكيت Manal and Alaa's Bit Bucket برفقة زوجته المعارضة منى بهي الدين، كان من بين النشطاء المدونيين الذين قضوا 40 يوما خلف القضبان. عندما التقيت به في القاهرة شهر نوفمبر أخبرني أنه لطالما تخيل السجن والآن فهو يعرف كيف هو السجن. بعبارة أخرى، فقد الغول هيبته. إذ لايزال علاء عبد الفتاح يدون على الأنترنيت ومافتئ ينتقد. بعد الحكم على نبيل بالسجن، لخص عبد الفتاح المسخرة كلها بتصريحه لوكالة أسوشيتد بريس:

"نحن (المصريون) نقاسي سوء القمع والفقر والتعذيب، فأضعف الإيمان أن نشتم الرئيس."

ليست مصر ولا الإسلام ملكا لمبارك. سيبقى المدونون يذكرونه بذلك ولن يستطيع أحد إسكاتهم، ليس فقط لأنهم يجيدون ممارسة الحجلة بين العنوانين أي بي IP المحاصرة بل لأنه لا يمكن إسكات الشباب. فالشباب يجدون دائما سبيلا لكسب المعركة في النهاية.


منى الطهاوي صحافية مصرية حائزة على عدة جوائز ومعلقة على المواضيع العربية والإسلامية. عاشت في المملكة العربية السعودية وإسرائيل وتقطن حاليا مدينة نيويورك. نشر هذا المقال أول مرة في 1 مارس / آذار 2007في الموقع التالي: http://www.saudidebate.com  
وموقعها على العنوان التالي: http://www.monaeltahawy.com