27أبريل/نيسان2007
 
حرية الصحافة:
المفارقة الجزائرية: صحافة مقموعة لكن حرة

خلال صيف 2004، حكم النظام الجزائري على محمد بنشكو مؤسس الجريدة اليومية "لومتان"، بالحبس لمدة سنتين. والغريب في الأمر هو أن هذا الحكم صدر ببضعة أشهر بعد صدور كتاب بعنوان: "بوتفليقة، خديعة جزائرية" (دار النشر لومتان و بكولك) وهو سيرة حياة بوتفليقة أغضبت النظام الحاكم. وكما لو كانت عقوبة السجن غير كافية، تم تعليق إصدار الجريدة التي يديرها بنيشو منذ إنشائها سنة 1991، بعد شهر من قرار المحكمة المذكورأعلاه. والتبرير الرسمي لقرار التعليق هذا هو "عدم سداد فواتير مستحقة". أما الحقيقة فهي إنزعاج النظام من النبرة الناقدة لهذه الجريدة التي توزع بحوالي 125000 نسخة. أما نتيجة هذا القرار فهو اختفاء جريدة مزعجة أخرى من الأسواق وتحويل 300 فردا إلى البطالة.
وبعد أقل من سنة من إطلاق سراح  بنشكو من زنزانات النظام،(وهو العنوان الذي اختاره لكتابه القادم)، وقبل بضعة أسابيع من تسلمه الجائزة الثالثة لليَراع الحر، الذي أنشأته لجنة التضامن مع  احتفالا بالذكرى الأولى لحبسه، التقت الشبكة العربية للصحافة هذا الرجل الذي لم تفقده المحن صلابته وعزيمته على النضال من أجل نصرة حرية التعبير.

الشبكة العربية للصحافة: كتابك الأخير : "بوتفليقة، خديعة جزائرية"، الذي يعرض سيرة سرية لحياة الرئيس الجزائري،  تسبب في حبسك لمدة 24 شهرا.
محمد بنشكو:
سجنت بسبب هذا الكتاب والاتجاه النقدي الذي اتبعته الجريدة أيضا. رسميا، حكم علي بسبب جنحة جمركية لا وجود لها. يتميز النظام الجزائري بالعبقرية في اختراع التهم لأن في الجزائر لا يمكن سجن شخص للاقترافه جنحة صحافية. ، هناك بالفعل قوانين في هذا المجال لكنها تطبق بإحراج وتنص على عقوبات قصيرة المدة. لقد تعاملوا معي كما تتعامل الأنظمة الشمولية إذ ابتكروا جنحة حق عام ونسجوا لي جنحة لا توجد في القانون الجزائري، أي امتلاك سندات إذخار. والحقيقة هي أن وزير الداخلية يعتب على جريدة لوماتن فضحها لمشاركته في أعمال تعذيب لأحد المجاهدين إبان السبعينيات. وهكذا منع الكتاب من الصدور وطلبوا من المطابع عدم طبعه ومن المكتبات عدم عرضه للبيع، في حين أن الكتاب لم يصدر في حقه أي منع رسمي من المحكمة. وتم تعليق الجريدة بعد شهر من حبسي بتهمة عدم سداد فواتير مستحقة. والواقع هو أن الجريدة خضعت لتفتيش ضريبي وجمدت الحسابات البنكية وبالتالي لم نستطع إتمام أدنى عملية مصرفية.

الشبكة العربية للصحافة: كيف كانت ظروف العيش في المعتقل؟
محمد بنشكو:
حظيت بالدعم الحاسم المعنوي والمادي الذي قدمه لي زملائي المعتقلون. من زج بي في السجن، كان ينوي أن ينزل بي أشد العقاب وأن يضعني بين زمرة من يسميهم الجانحين لكي تكون ظروف السجن لا تطاق. كانوا يتوقعون أن أتنازل وأطلب الخروج من السجن بأي ثمن، لكي يكون ذلك فوزا لهم وهزيمة لحرية الصحافة. لكن زملائي  من المساجين أخفقوا هذا المخطط وجعلوا من نضالي نضالهم. هكذا نجحت في مقاومة ابتزازهم.

الشبكة العربية للصحافة: هل تظن أنك ستقدر على إعادة إصدار جريدة لومتان من جديد؟
محمد بنشكو:
مبدئيا، نعم. فالجريدة تقبع تحت منع سياسي على الرغم من أن إصدارها علق بسبب عدم سداد فواتير مستحقة. وإن لم يرغبوا في أن تصدر الجريدة مجددا، فسيخترعون ديْنا ضريبيا. على المنظمات الدولية أن تساعدنا في كبح جماح الإرادة السياسية للحكومة التي اختطفت الجريدة كرهينة. إن كانت هناك إرادة سياسية فسيتم إصدار الجريدة مجددا. ما يضايقهم اليوم هو أن أعاود الظهور على الساحة. إنها مشكلة سلطة ونفوذ. مايهمهم هو أن يضربوا المثل عن الزجر الذي يمارسونه. يودون معاقبة الفرد لكي لا يستطيع الوقوف مرة ثانية. وكوني أقف مجددا بعد خروجي من السجن يزعج الصورة التي يجب أن تكون لدى الناس عن السلطة والنفوذ في البلاد. هذا هو السبب الذي يدفعهم إلى محاولة إقصائي من الحقل الإعلامي.

 الشبكة العربية للصحافة: لم يتبقى لديك سوى زاوية الوقائع التي تكتب فيها في جريدة "لوسوار دالجري" لكي تعبر عن رأيك؟
محمد بنشكو:
حتى هذه الزاوية لم تعد متاحة لي منذ منتصف شهر أبريل/ نيسان، إذ أن إدارة "جريدة لوسوار دالجيري" خافت من العواقب، بعدما مورست عليها ضغوطات كثيرة. الواقع هو أن في مقالة بقلم الهاشمي ديجار، وزير الإتصال، نشرته بعض الصحف الجزائرية وردت تهديدات من النظام بالزج بي في السجن مرة ثانية ومعاقبة جريدة "لوسوار دالجيري" التي كانت تنشر مقالاتي منذ إطلاق سراحي في 14 ينيو / حزيران الماضي. وتحجج النظام هذه المرة بالدعاية التي صدرت في الجريدة بشأن جلسات بيع وإهداء ستنظم في معرض الكتاب في باريس حول كتاب "بوتفليقة، خديعة جزائرية" .

الشبكة العربية للصحافة: في بيان صحافي نشرته بهذه المناسبة، تقول أن حرية الصحافة في خطر أكثر من أي وقت مضى.
محمد بنشكو:
يوجد النظام حاليا في المرحلة الثانية من حملته القمعية. خلال المرحلة الأولى (2003-2006) تم حبس 7 صحافيين من بينهم خمسة بتهمة جنحة صحافية  في حين تمت محاكمة 125 آخرين. خلال هذه المرحلة الأولى، تصدرت الجزائر قائمة البلدان القمعية العربية. ولاحظنا تصلبا في المضايقات التي تمارسها الشرطة وإلغاء عدد من الصحف، لكن بفضل التعبئة الدولية وشجبها لهذه الممارسات، اضطر النظام إلى التراجع وإصدار عفو على عدد من الصحافيين. وخلال يوم واحد، تمت إعادة البث في 85 قضية أمام المحاكم.  بشكل عام، حاول النظام أن يبعث برسالة إجابية بعد هذه الحرب الضروس التي شنها ضد الصحافة ولم يستطع في نهاية المطاف أن يقضي على الجرائد الأساسية على الرغم من أنه استطاع تقليص قدرات التعبير لدى الصحافة الجزائرية إلى حد بعيد. هناك مفارقة فعلا في الجزائر، هناك قمع من جهة وصحافة حرة من جهة أخرى. لكن النظام الجزائري بفعل سياساته التي لا تخدم مصالح الشعب يضع نفسه في فوهة الإنتقادات.واليوم هاهو النظام يزداد شراسة وغلظة في قمعه للصحافة التي تتطرق لسياساته المنبوذة شعبيا.  
لم تدم الهدنة ما بين المرحلتين طويلا لأن النظام لم يتمالك نفسه وأطلق العنان لرغبته في خنق الصحافة لأنه يود منها أن تصمت. بيد أن الصحافة تجد نفسها في وضعية لا تطاق لسببين. لا يكتفي النظام بصوغ سياسات غير شعبية تستأهل النقذ بل لازالت الصحافة حرة على الرغم من كل المضايقات التي عانت منها. فالشباب الذين وصلوا سن 18 اليوم لم يعرفوا إلا الصحافة الحرة ولم يعد بمقدور النظام وءدها إلا إن لجأ إلى قوة قاهرة من الجزر وهذا غير متاح له بسبب الشجب الدولي.
نجد نفسنا اليوم في وضع قائم إذ أن هناك صحافة حرة ونظام يود تكميم فاهها. أحد الطرفين عليه أن يفوز في هذه المعركة. والوسيلة الوحيدة المتاحة أمام الصحافة لاتخاذ زمام المبادرة هو أن يتم تحرير مجال الإعلام السمعي البصري مما سيرفع الثقل عن كاهل الصحافة المكتوبة ثم إلغاء قانون الجنح الصحافية، أي القوانين التي سنت في 2001.

الشبكة العربية للصحافة: ماهي المقتضيات الأخرى في قانون الصحافة الجزائري التي يجب تعديلها؟
محمد بنشكو:
يجب أيضا القضاء على الإحتكار في مجال الدعاية والإشهار وتحريره. فهذا القطاع تحتكره الدولة تقريبا لأن وكالة عامة تقوم بجمع الإعلانات الدعائية بإسم الدولة وتعيد توزيعها وفقا لمدى إنصياع الجرائد وإذعانها. يجب أيضا وضع آليات من أجل دعم الإعلام على غرار الآليات الموجودة في الدول الديمقراطية.

الشبكة العربية للصحافة: مارأيك في وضعية الصحافة ومستواها في البلدان العربية الأخرى؟
محمد بنشكو:
لا تثير الصحافة العربية إعجابي. فالعالم العربي من بين المناطق التي تأخرت كثيرا عن الركب في مجال حرية الصحافة. أ ليست ثمة صحافة في العالم العربي بل هيآت دعاية تنتمي بنيويا إلى صف النظام بإستثناء بعض الدول كلبنان وربما المغرب، حيث نلاحظ شيئا من وَهن العزيمة. لكن في بلدان أخرى فهناك صحافة خاصة و"مستقلة" لا تضطلع بدورها كصحافة حرة. لم تصطف الصحافة إلى جانب المجتمع لأنها خائفة ومكممة ومقموعة.
إن حرية الصحافة لا تعطى بل تنتزع. لنأخذ مثال الجزائر، فالمظاهرة الكبرى لعام 1988 التي سبقها الربيع البربري في أبريل / نيسان 1980 هما العاملان اللذان أديا إلى هذه التعددية. سقط ألف قتيل أيامها، ومنذ ذلك الحين اضطر النظام أن يتنازل ويسمح بنسبة من الحرية للصحافة والتعددية. وبالمقارنة مع تلك السنوات، هناك بدون شك تراجع. إذ أن بوتفليقة يحسب أن صلاحيات الاتصال والمطالبة هي حكر على الدولة وأن كل من يأخذ جزء من هذه الصلاحيات يكون قد تعدى حدود الدولة. فالرئيس بوتفليقة له قولة تلخص نظرته للأمور: "غادرت البلاد والدولة كانت تملك سلطات فرانكو ورجعت إليها فوجدت الدولة تملك سلطات الملكة إليزابيت". فحسب رأيه الدولة التي تمنح حقوقا ديمقراطية هي دولة ضعيفة أما الدولة القوية فهي تلك التي تستعيد الحريات الممنوحة للشعب.لكن على الرغم من القمع الذي يمارسه النظام، لم يستطع إلغاء مكتسبات أكتوبر أحسب أننا أمام واقعين، أولهما أن النظام يحلم بإعادة تشريع الحزب الواحد وثانيهما أن المجتمع قد عاش في ظل عشرين سنة تحت التعددية الحزبية. ونحن اليوم نعيش الصراع الدائر بين هذين الواقعين. أعتقد أنه سيتعسر على النظام أن يعود إلى الوراء وعلى المجتمع أن يفرض نفسه في الوقت الراهن. هذا صراع بلا هوادة سيطبع العقد القادم.

الشبكة العربية للصحافة: ماذا تتوقعون من المجتمع الدولي؟
محمد بنشكو:
أتمنى أن يتحدث المجتمع الدولي عن نضال الصحافة الجزائرية، وأن يساعدها في نزالها من أجل الحرية وأن يضغط على النظام الجزائري من أجل تحرير حقل الإعلام السمعي البصري وأن يلغي قانون الجنح الصحافية وأن يكسر الإحتكار الذي يسود قطاع الإعلانات الدعائية وأخيرا أن يقضي على أي تدخل للدولة في عالم الإعلام على غرار ما يقع في البلدان الديمقراطية وأن يقدم الدعم المالي للصحافة من خلال الإعانات.

الشبكة العربية للصحافة: اعتمد مؤخرا مجلس حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة قرارا يضفي المشروعية على الرقابة على حرية التعبيرتحت ذريعة حماية الحساسيات الدينية، واعتمد هذا القرار عدد من الدول العربية من ضمنها الجزائر.
محمد بنشكو:
ستصدر المزيد من التشريعات التي تسعى إلى تكميم حرية التعبير تحت ستار مكافحة الإرهاب أوتبريرات أخرى. أما في العالم العربي فسنرى ظاهرتين متناقضتين ستتشاحن خلال السنوات القادمة: رغبة الأنظمة في فرض سلطانها بالقوة كما نرى في تونس ومصر والجزائر وسورية ورغبة المجتمع في سلك طريق حرية التعبير احتداء بالحركة العالمية في هذا المجال. ستستأثر مسألة الديمقراطية بحيز كبير في النقاشات التي تدور في العالم العربي والصحافة بلا شك ستكون معنية بهذه المشاحنة، وستجبر وسائل الإعلام على أن تختار خندقها. وبما أن الصحافة في قلب هذا التطاحن فستعاني مزيدا من القمع لكن في الوقت ذاته ستحدث صحوة لدى جزء من هذه الصحافة من أجل خلق صحافة جديدة في العالم العربي.
أناشد العالم بأن يدعم هذه الحركة وأن يتيقظ وينظر باتجاه العالم العربي الذي يشهد أحداثا كثيرة، إذ مادمنا لا نتطرق إلى مسألة الديمقراطية في المعاملات بين العالم الغربي والعالم العربي، فلن نستطيع حل المشاكل المحورية الحالية كمشكلة الهجرة على سبيل المثال. على العالم أن يدرك أن شعوب الجنوب لا تطالب بكسرة خبز بل بالديمقراطية. وفي غياب الديمقراطية لن ننجح في إقناع الشعوب أن تبقى في مسقط رأسها.